فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

وجه ربه ، الأعلى ولسوف يرضى ) * ( الليل : 19 ، 20 ، 21 ) فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض . فهناك اطمأن قلبه ، واستقرت نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه ، ولهذا قال أولاً في هذا الانفاق إنه لطلب مراضاة الله ، ثم أتبع ذلك بقوله * ( وتثبيتاً من أنفسهم ) * وخامسها : أنه ثبت في العلوم العقلية ، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات . إذا عرفت هذا فنقول : إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما : حصول هذا المعنى والثاني : صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس ، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس ، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح ، فإتيان العبد بالطاعة لله ، ولابتغاء مرضاة الله ، يفيد هذه الملكة المستقرة ، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس ، وهو المراد أيضاً بقوله * ( يثبت الله الذين آمنوا ) * وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية ، فصار العبد كما قاله بعض المحققين : غائباً حاضراً ، ظاعناً مقيماً وسادسها : قال الزجاج : المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم ، ولا يخيب رجاءهم ، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق ، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعاً ، لأنه لا يؤمن بالثواب ، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت وسابعها : قال الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف ، قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإذا كان لله أعطى ، وإن خالطه أمسك ، قال الواحدي : وإنما جاز أن يكون التثبيت ، بمعنى التثبيت ، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق ، وصرف المال في وجهه ، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلاً ، فقال : * ( كمثل جنّة بربوة أصابها وابل ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر * ( بربوة ) * بفتح الراء وفي المؤمنين * ( إلى ربوة ) * وهو لغة تميم ، والباقون بضم الراء فيهما ، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش ، وفيه سبع لغات * ( ربوة ) * بتعاقب الحركات الثلاث على الراء ، و * ( رباوة ) * بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء ، و * ( ربو ) * والربوة المكان المرتفع ، قال الأخفش : والذي اختاره * ( ربوة ) * بالضم ، لأن جمعها الربى ، وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع ، ومنه الرابية ، لأن أجزاءها ارتفعت ، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد ، ومنه الربا ، لأنه يأخذ الزيادة . واعلم أن المفسرين قالوا : البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعاً .